السيد كمال الحيدري
13
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
وبحدّ ما . الحقيقة أنّ هذه المسألة تنازعتها تيّارات عديدة في فكر المسلمين ، أبرزها التيّار التعطيلى ، الذي يذهب إلى تعطيل الإدراك الإنسانى عن التعاطي مع المعرفة التوحيدية ، ثم التيّار التشبيهى الذي ينزلق إلى إشراك الله سبحانه مع الممكنات وقياس معرفته في ضوئها . أمّا المنطق العلَوىّ فهو يؤمن بإمكان المعرفة ( أوّل الدين معرفته ) « 1 » لكن بتمييز وحدودٍ بين الممكن والمحال . في نصّ علوىّ يرسم الإمام أمير المؤمنين الحدود بين المنطقتين المحالة والممكنة ، بقوله عليه السلام : « لم يُطلع العقول على تحديد صفته ، ولم يحجبها عن واجب معرفته » « 2 » كما يرسم في نصّ آخر حدّاً واضحاً بين المعرفة الممكنة والممتنعة : « فلسنا نعلم كنه عظمتك ، إلا أنّا نعلم أنّك حىّ قيّوم لا تأخذك سنة ولا نوم » « 3 » . إذن : المعرفة ممكنة ، والاكتناه محال ، وباب المعرفة مفتوح غير مسدود وإلّا « لكان التوحيد عنّا مرتفعاً » كما في الحديث الشريف « 4 » ، أو كما قال الإمام الصادق عندما سأله سدير : فكيف سبيل التوحيد ؟ قال عليه السلام : « باب البحث ممكن وطلب المخرج موجود » « 5 » . إنّما تكمن الأهمّية في عدم
--> ( 1 ) نهج البلاغة ، مصدر سابق ، الخطبة الأولى ، ص 39 . ( 2 ) نهج البلاغة ، الخطبة رقم 49 ، ص 88 . ( 3 ) نهج البلاغة ، الخطبة رقم 160 ، ص 225 . ( 4 ) الذي جاء في حوار الإمام الصادق عليه السلام مع أحد زنادقة عصره ، حينما رام المجادِل أن يغلق باب المعرفة التوحيدية عبر احتجاجه بقدرات العقل الإنسانى وأنّ ما / / يكوّن من صور إدراكية في هذا المجال لا يزيد على كونه أوهاماً . ينظر الحوار كاملًا في : الكافي لمحمد بن يعقوب الكليني الرازي ( ت 329 ه ) دار الكتب الإسلامية ، طهران ، 1388 ه ، كتاب التوحيد ، باب إطلاق القول بأنّه شئ ، ج 1 ، ص 83 الحديث : 6 . ( 5 ) تحف العقول ، مصدر سابق ، ص 327 .